أبو حامد الغزالي
43
محك النظر
وتطرّق الغزالي إلى عكس القضايا في تفصيله الرابع ، عقب التقابل ، جاعلا للعكس دورا في الاستدلال والبرهان والدليل الفقهيّ . فإذا لم تتطابق ، مثلا ، القضية المطلوبة مع الدليل النصيّ والفقهيّ ، اعتمد العكس . وربما حصل المراد في حينها . « وهذا أيضا - أي العكس - يحتاج إليه وربما لا يصادف الدليل على المطلوب نفسه ، ويصادف على عكسه فيمكن التوصّل منه إلى المطلوب . . . » « 1 » وهكذا يدخل الغزالي المنطق ضمن علوم المسلمين ، جاعلا العكس أداة استدلال تدعم عمليّات الاجتهاد والأحكام . فيرى أنّنا بعكس القول أو الحكم ، نعمل على حلّ التنافي بينهما وبين النصّ . ويؤدي التوافق بين الحالين إلى حصول الاجتهاد . ولم يغب عن باله حالات العكس ، وشروطها ، لكنه تميّز من المعيار بذكر الأمثلة الفقهيّة واستخدام التعابير الأصولية ، فقال : « وأعني بالعكس أن تجعل محكوما عليه والمحكوم عليه حكما ، ولا تتصرف فيه إلا هذا القدر وتبقى القضيّة صادقة . . » « 2 » ، كما ذكر القضايا الأربع وعكسها ، لكنّه اصطلح على تسميتها الإسلامية : « نافية عامّة ، ونافية خاصّة ، ومثبتة عامة ، ومثبتة خاصّة » . وسبق أن وضّحنا العامّ والخاصّ وتميّز المحكّ بهما . والنفي هنا بمعنى السلب : « وما يسلب عن الشيء فمسلوب عنه الشيء بالضرورة » « 3 » . أما الإثبات فبمعنى التأكيد ، ويسمى بالمنطق الإيجاب والموجب . أما بحث القياس فلم يستطع الغزالي في « محكّ النظر » مجاوزة عادته التي دأب عليها في بداية فقرة القياس من كلّ مصنّف . وربّما كرّر من دون شهوة ، واقتضاء ذلك وحدة المضمون القياسيّ ، وعدم اختلافه في عناصره وأسسه بين كتاب وآخر . وها هو يبدأ بحثه في هذه الفقرة بالقول : « إنّ القياس عبارة عن أقاويل مخصوصة ألّفت تأليفا مخصوصا ونظّمت نظما
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، ص 30 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 30 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ص 30 .